ابن قيم الجوزية
67
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
النفع إليهم . وهو ذو إرادة عامة شاملة يخصص بها كل ممكن ببعض ما يجوز عليه من الأوصاف والأحوال ، وهو ذو حنان ، بمعنى شفقة عظيمة على خلقه ، ورأفة بالغة بهم تقتضي كمال بره وجوده . وأما قوله : هو أول هو آخر الخ الأبيات ، فهو بيان لمعنى أسمائه الأربعة الواردة في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] . وقد التزم المصنف في تفسيرها ما ورد به الحديث الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام « أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء » ولذا قال : ( وذا تفسير ذي البرهان ) . وقد سبق أن بينا ضرورة الأخذ بهذا التفسير لهذه الأسماء الأربعة حيث أنه ورد على لسان المعصوم صلوات اللّه وسلامه عليه ، وهو أعلم الخلق بربه وبمعاني أسمائه . يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن آل سعدى غفر اللّه له : ( فتدبر هذه المعاني الجليلة الدالة على تفرد الرب العظيم بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة الزمانية في قوله : الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ والمكانية في الظَّاهِرُ وَالْباطِنُ . فالأول يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن ، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية ، إذ السبب والمسبب منه تعالى . والآخر يدل على أنه هو الغاية ، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألهها ورغبتها ورهبتها وجميع مطالبها . والظاهر يدل على عظمة صفاته واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات وعلى علوه . والباطن يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا ودقائق الأشياء ، كما يدل على قربه ودنوه ، ولا يتنافى الظاهر والباطن ، لأن اللّه ليس كمثله شيء في كل النعوت ا ه .